ابن أبي الحديد
49
شرح نهج البلاغة
وفاته : أقلل معرفة الناس ، فإن التخلص منهم شديد ، ولا أحسبني رأيت ما أكره إلا ممن عرفت . وقال بعضهم : جئت إلى مالك بن دينار وهو قاعد وحده ، وعنده كلب رابض قريبا منه ، فذهبت أطرده فقال : دعه فإنه لا يضر ولا يؤذى ، وهو خير من الجليس السوء . وقال أبو الدرداء : اتقوا الله واحذروا الناس ، فإنهم ما ركبوا ظهر بعير إلا أدبروه ، ولا ظهر جواد إلا عقروه ، ولا قلب مؤمن إلا أخربوه . وقال بعضهم : أقلل المعارف ، فإنه أسلم لدينك وقلبك ، وأخف لظهرك ، وأدعى إلى سقوط الحقوق عنك ، لأنه كلما كثرت المعارف كثرت الحقوق ، وعسر القيام بالجميع . وقال بعضهم : إذا أردت النجاة فأنكر من تعرف ، ولا تتعرف إلى من لا تعرف . * * * ومنها : إن في العزلة بقاء الستر على المروءة والخلق والفقر وسائر العورات ، وقد مدح الله تعالى المستترين فقال : ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) ( 1 ) . وقال الشاعر : ولا عار أن زالت عن الحر نعمة * ولكن عارا أن يزول التجمل . وليس يخلو الانسان في دينه ودنياه وأفعاله عن عورات يتقين ويجب سترها ، ولا تبقى السلامة مع انكشافها ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بترك المخالطة . * * * ومنها أن ينقطع طمع الناس عنك ، وينقطع طمعك عن الناس ، أما انقطاع طمع الناس عنك ففيه نفع عظيم ، فإن رضا الخلق غاية لا تدرك ، لان أهون حقوق الناس
--> ( 1 ) سورة البقرة 273